محمود أبو رية

209

شيخ المضيرة أبو هريرة

وقد آن لنا أن نعرض عليك قصة أبي هريرة مع آل أبي العاص عامة وسائر بنى أمية ومعاوية خاصة - كما وعدناك من قبل - ثم نردف ذلك ببيان بعض ما قدمه لهم جميعا من مرويات وغير مرويات . كيف اتصل أبو هريرة بدولة بنى أمية لاتصال أبي هريرة بدولة بنى أمية قصة عجيبة نقصها عليك ، ولا ريب في أنها ستروعك بفصولها . ذلك أنه لما رأى أن بنى أمية قد وثبوا على الحكم ، وقبضوا على زمامه بعد مقتل علي رضي الله عنه ، وأنهم قد أصبحوا ملوكا على بلاد المسلمين ، بيدهم الأمر والنهي ، والحل والعقد ، والرفع والخفض ، اندفع بسائق من طبيعته إلى انتهاز هذه الفرصة التي سنحت لبغاة المغانم ، وطلاب الرغائب ، ولم يلبث أن رنا إلى غرض وضعه نصب عينيه ، وآل على نفسه ليبلغنه بأية وسيلة حتى يصل إليه - وهذا الغرض أن يتخذ له مكانا في هذه الدولة الجديدة يجعل له شأنا بين الناس بعد أن كان مغمورا في زمن النبي وخلفائه الأربعة ، وبذلك يتمكن من أن يشارك في أسلابها ويساهم في مغانمها - وأنى له ذلك وهو يومئذ في الساقة من عامة الصحابة ، ليس له - كما علمت من تاريخه - . . شأن يذكر ، ولا عمل يؤثر ، فلم يكن من دهاة السياسة ، ولا من أبطال الحروب ، وليس هو بشاعر ولا خطيب ، ممن تحتاج إليهم الدولة إبان نشأتها ، وبخاصة مثل دولة بنى أمية الباغية التي قامت على أساس غير سليم ، وسارت في طريق غير مستقيم . من أجل ذلك كان عليه هو - بما يعرف من نفسه - أن يطب لهذا الامر ويتخذ له السبيل التي تنتهي به إلى مبتغاه ، فوجد أن هذه الدولة الناشئة وإن كانت قد أقامت بناءها على قواعد من الدهاء والمداورة والظلم والبغي - بحاجة شديدة إلى دعم هذا البناء حتى لا ينهار ، فيخرج الناس عليهم ، وينفضوا من حولها ، ويخلعوا أيديهم من طاعتها ، ولا يكون ذلك إلا بأسانيد قوية تحميها من العوادي ، وإن أقوى هذه الأسانيد بعد القوة المادية ولا ريب ، أن تكون من